بين ذاكرة الحرب وتمسّك الأرض… سكان بلدات جنوب لبنان يختارون البقاء رغم الحصار والمخاطر

سحر رجب

في مشهد يعكس عمق الارتباط بالأرض وتراكم التجارب المريرة، يواصل سكان بلدة رميش والبلدات المجاورة لها في جنوب لبنان التمسك بمنازلهم، رغم تصاعد القصف والتحذيرات المتكررة من الإخلاء، مستحضرين ذكريات حرب عام 2006 التي تركت في نفوسهم ندوباً لا تُمحى.

فبعد أكثر من أسبوعين من الحصار الذي فرضته المواجهات العسكرية المتبادلة بين إسرائيل وحزب الله، دخلت أخيراً، يوم الأحد، مساعدات إنسانية محدودة إلى بلدة رميش الحدودية، شملت مواد غذائية ومياهاً للشرب وبعض الأدوية الأساسية، في خطوة خففت مؤقتاً من معاناة السكان الذين اختاروا البقاء رغم الظروف القاسية.

قرار جماعي بالبقاء

رفض أهالي بلدات رميش وعين إبل ودبل، وهي بلدات حدودية ذات غالبية مسيحية، مغادرة منازلهم رغم إنذارات الإخلاء التي أصدرها الجيش الإسرائيلي، مؤكدين أن قرارهم لم يكن فردياً بل جماعياً، نابعاً من تمسكهم بأرضهم وخشيتهم من فقدانها أو تدميرها في حال النزوح.

وبحسب رئيس بلدية رميش، حنا العميل، لا يزال في البلدة نحو 6066 شخصاً من مختلف الفئات العمرية، فيما لم تتجاوز نسبة من غادروا البلدة خمسة في المئة من إجمالي السكان.

ويقول مسؤولون محليون إن تجربة العزلة خلال حرب يوليو 2006 ما زالت حاضرة في الذاكرة الجماعية، حين عانت البلدة نقصاً حاداً في الغذاء والمياه والأدوية لمدة قاربت 17 يوماً، وهو ما جعل السكان أكثر استعداداً لتحمل الصعوبات الحالية بدلاً من تكرار تجربة النزوح.

تصعيد ميداني وتوسيع نطاق التحذيرات

منذ اندلاع جولة التصعيد الأخيرة في 2 مارس 2026، شهد جنوب لبنان تطورات ميدانية متسارعة، حيث أخلت معظم القرى الواقعة جنوب نهر الليطاني من سكانها، مع تقدم القوات الإسرائيلية واندلاع اشتباكات متفرقة مع عناصر حزب الله.

وفي الأيام الأخيرة، وسّع الجيش الإسرائيلي نطاق تحذيرات الإخلاء ليشمل مناطق جديدة جنوب نهر الزهراني، في خطوة تعكس تصاعد المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية واحتمال تحولها إلى مواجهة طويلة الأمد.

وتؤكد إسرائيل أن عملياتها تهدف إلى تدمير القدرات العسكرية لحزب الله وتأمين المناطق الحدودية، بينما يخشى كثير من اللبنانيين من أن تتحول هذه العمليات إلى شكل من أشكال السيطرة الأمنية الدائمة على المنطقة.

هواجس إنسانية وخيارات صعبة

في ظل هذه الظروف، يعيش سكان القرى الحدودية حالة من القلق والترقب، إذ يواجهون معادلة صعبة بين البقاء في أرضهم تحت خطر القصف، أو النزوح إلى مناطق أكثر أمناً مع ما يحمله ذلك من فقدان الاستقرار والممتلكات.

ويرى مراقبون أن قرار البقاء يعكس بعداً نفسياً واجتماعياً عميقاً، إذ يرتبط مفهوم الأرض لدى سكان الجنوب بالهوية والانتماء، خاصة في مناطق شهدت حروباً متكررة على مدى عقود.

وفي المقابل، اضطرت عائلات نازحة من القرى المجاورة إلى الانتقال نحو مناطق شمال نهر الليطاني بمرافقة الجيش اللبناني، وسط مخاوف من تدهور الأوضاع الإنسانية إذا استمرت العمليات العسكرية لفترة طويلة.

مستقبل غامض

مع استمرار التصعيد العسكري وتزايد المخاوف من توسع العمليات البرية، يبقى مستقبل القرى الحدودية في جنوب لبنان مفتوحاً على احتمالات متعددة، تتراوح بين التهدئة المؤقتة أو الانزلاق إلى مواجهة أوسع.

وفي انتظار ما ستسفر عنه التطورات الميدانية، يواصل سكان رميش والبلدات المجاورة التمسك بقرارهم، مؤكدين أن البقاء في أرضهم، رغم المخاطر، هو الخيار الوحيد الذي يرونه متوافقاً مع تاريخهم وذاكرتهم الجماعية.

عن وجه افريقيا