مثلت القضية الجنوبية في اليمن واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في الأزمة اليمنية، حيث تتشابك فيها الأبعاد التاريخية والسياسية والأمنية والاقتصادية. وفي تطور لافت خلال مطلع عام 2026، برز الدور السعودي كوسيط وراعٍ رئيسي للحوار الجنوبي، وذلك بعد تصعيد عسكري خطير شهدته محافظتا حضرموت والمهرة في ديسمبر 2025، عندما قامت قوات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي بهجوم واسع ضد القوات الموالية للحكومة الشرعية .
هذا التصعيد الذي أوقع ضحايا وأدى إلى إغلاق مطار عدن الدولي، شكل نقطة تحول حاسمة، دفع القيادة السياسية اليمنية ممثلة برئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي إلى التوجه رسمياً بطلب إلى المملكة العربية السعودية لاستضافة مؤتمر حوار جنوبي شامل .
لم يعد الدور السعودي في اليمن مقتصراً على الدعم العسكري واللوجستي للحكومة الشرعية، بل تطور ليصبح دوراً سياسياً شاملاً يعترف بخصوصية القضية الجنوبية ويعمل على احتوائها ضمن إطار سياسي متكامل .
هذا التحول يعكس إدراكاً سعودياً عميقاً بأن الحل العسكري وحده لم يعد كافياً، وأن الاستقرار الدائم في اليمن يتطلب معالجة جذرية للقضية الجنوبية التي ظلت لعقود مصدر توتر دائم.
فقد أكدت المملكة مراراً أن القضية الجنوبية “قضية عادلة ذات أبعاد تاريخية واجتماعية”، وأن حلها يأتي عبر طاولة الحوار السياسي . هذا الاعتراف يعتبر تحولاً مهماً، حيث ينتقل الموقف السعودي من اعتبار المطلب الجنوبي تهديداً للاستقرار إلى الاعتراف بشرعيته كأساس لأي تسوية سياسية مستقبلية.
ومع استضافة الرياض للمشاورات التشاورية الجنوبية في يناير 2026، ثم التحضير للمؤتمر الجنوبي الشامل، تحولت السعودية من مجرد دولة تدعم جهود التحالف عسكرياً إلى راعٍ أساسي للعملية السياسية، ما يعكس نضوجاً في الرؤية السعودية للأزمة .
كما لم تقتصر الجهود السعودية على الجانب السياسي، بل امتدت إلى تخصيص حزمة دعم اقتصادي ضخمة تجاوزت 1.9 مليار ريال سعودي، شملت دفع رواتب الموظفين المدنيين والعسكريين في المناطق المحررة.
وتشير تقارير إلى أن الميزانية الإجمالية للدعم السعودي لليمن قد تتجاوز 4 مليارات دولار في عام 2026 وحده، مما يعكس جدية الرياض في ربط الاستقرار الاقتصادي بنجاح العملية السياسية.
وختامًا، يمكن القول إن الدور السعودي في القضية الجنوبية باليمن قد دخل مرحلة جديدة وأكثر نضجاً، تنتقل من إدارة الصراع إلى صنع السلام.
إن استضافة الرياض لمؤتمر الحوار الجنوبي الشامل، بدعم سياسي واقتصادي غير مسبوق، يعكس إرادة ملكية صادقة لإنهاء معاناة اليمنيين وإعادة الأمن والاستقرار إلى المنطقة.
باحثة يمنية في الدراسات الإعلامية
وجه أفريقيا رئيس التحرير: سحر رجب