تقرير – رضا هلال
في وقت تتجه فيه الأنظار العالمية نحو أفريقيا باعتبارها أحد أبرز الأسواق الواعدة، يبرز مفهوم جديد يفسر كثيرًا من التردد الاستثماري في القارة، وهو ما يُعرف بـ”ضريبة التصورات”—تلك التكلفة غير المرئية التي تتحملها الشركات نتيجة الاعتماد على الانطباعات العامة بدلًا من المعلومات الدقيقة.
هذا المفهوم، الذي طرحه جواو غاسبار ماركيز، المدير التنفيذي للاستشارات الاستراتيجية في مجموعة APO، يشير إلى أن العديد من الشركات تدفع ثمنًا ماليًا واستراتيجيًا بسبب سوء فهمها لطبيعة الأسواق الأفريقية، والتعامل معها كوحدة واحدة عالية المخاطر، رغم أنها تضم 54 دولة لكل منها خصوصيتها الاقتصادية والسياسية والتنظيمية.
تكلفة الجهل.. لا تظهر في الميزانيات
لا تُسجَّل “ضريبة التصورات” في دفاتر الحسابات، لكنها تنعكس بوضوح في ارتفاع تكلفة التمويل، وتأخر اتخاذ القرارات الاستثمارية، وفقدان فرص السبق في دخول الأسواق. فبدلًا من تقييم كل سوق على حدة، يلجأ بعض المستثمرين إلى تعميمات غير دقيقة، ما يؤدي إلى تضخيم المخاطر ورفع العوائد المطلوبة بشكل غير مبرر.
وتكشف البيانات أن هذه النظرة قد تكون مضللة؛ إذ أظهرت دراسة أجراها بنك التنمية الأفريقي بالتعاون مع “موديز أناليتيكس” أن معدل الخسارة في مشروعات البنية التحتية بأفريقيا بلغ نحو 1.7% فقط، وهو الأدنى عالميًا مقارنة بـ13% في أمريكا اللاتينية و10% في أوروبا الشرقية.
ورغم ذلك، لا تزال تكلفة رأس المال في أفريقيا أعلى بثلاث إلى أربع مرات من مناطق مماثلة، وهو ما يعكس الفجوة بين الواقع والتصور.
الفرصة لمن يقرأ الواقع لا العناوين
يشير التقرير إلى أن المستثمرين الذين يعتمدون على معلومات دقيقة ويملكون حضورًا فعليًا في الأسواق الأفريقية هم الأكثر استفادة، حيث ينجحون في اقتناص الفرص قبل غيرهم، وتحقيق عوائد مرتفعة.
وتُعد تجربة شركة “هيليوس للاستثمار” مثالًا بارزًا، حيث تمكنت من بناء محفظة تتجاوز 3 مليارات دولار عبر دخول أسواق تجاهلها الآخرون بدعوى المخاطر. كما يُبرز التقرير حالة كينيا، التي شهدت تحسنًا كبيرًا في بيئة الأعمال بعد إصلاحات تنظيمية رفعتها 52 مركزًا في مؤشر سهولة ممارسة الأعمال، ما جذب استثمارات أجنبية متزايدة.
أفريقيا ليست سوقًا واحدة
من أبرز الأخطاء الشائعة، بحسب التقرير، النظر إلى أفريقيا ككتلة واحدة، في حين أن الفروق بين دولها قد تكون أكبر من الفروق بين دول أوروبية مختلفة. فكما لا يمكن مقارنة فرنسا بفنلندا أو الولايات المتحدة بالمكسيك، لا يمكن وضع بنين وبوتسوانا في إطار واحد من حيث المخاطر أو الفرص.
حلقة مفرغة يجب كسرها
تحذر الدراسة من أن “ضريبة التصورات” تُغذي نفسها ذاتيًا؛ إذ يؤدي تأخر الاستثمار إلى تباطؤ التنمية، ما يعزز الانطباعات السلبية، ويؤدي إلى مزيد من التأخير. ولا يمكن كسر هذه الحلقة إلا بتدفق استثمارات واعية تستند إلى بيانات دقيقة.
وفي هذا السياق، تمثل منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية سوقًا تقدر قيمتها بـ3.4 تريليون دولار، مع تعداد سكاني يقترب من 1.5 مليار نسمة، فضلًا عن امتلاك القارة لموارد معدنية حيوية أساسية لعملية التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة.
المعرفة تصنع الفارق
يخلص التقرير إلى أن الشركات الأكثر نجاحًا في أفريقيا هي تلك التي تتعامل مع المعلومات السوقية كاستثمار أساسي، وليس كخيار ثانوي. فهي تميز بين المخاطر الحقيقية والضوضاء، وتدرك أن الفجوة بين التصور والواقع ليست دائمة، بل فرصة مؤقتة لمن يسارع إلى فهمها واستغلالها.
الخلاصة
“ضريبة التصورات” ليست قدرًا حتميًا، بل تكلفة يمكن تجنبها. وفي المقابل، فإن من يمتلك المعرفة الدقيقة يمكنه تحويل هذه الضريبة إلى ميزة تنافسية، في قارة لا تزال تحمل فرصًا استثنائية لمن يحسن قراءتها.
وجه أفريقيا رئيس التحرير: سحر رجب