في تطور هو الأخطر منذ أشهر، نفّذت باكستان فجر الجمعة 27 فبراير ضربات جوية استهدفت مواقع داخل كلٍّ من كابل وقندهار، في خطوة تمثل تصعيداً نوعياً ينقل المواجهة من اشتباكات حدودية محدودة إلى استهداف مباشر للعمق الأفغاني، بما في ذلك العاصمة السياسية.
إسلام آباد وصفت العملية بأنها “دفاعية وضرورية”، مؤكدة أن الضربات طالت أهدافاً مرتبطة بهجمات عابرة للحدود. في المقابل، اعتبرت كابل ما جرى “عدواناً سافراً” وانتهاكاً للسيادة الوطنية، ما يضع المنطقة أمام مشهد مفتوح على جميع السيناريوهات.
تسلسل التصعيد: من التفجير إلى الغارات المتبادلة
بدأت شرارة الموجة الحالية من التوتر بعد تفجير استهدف مسجداً شيعياً في إسلام آباد، أعقبته في 22 فبراير غارات باكستانية على ما وصفته بأنه معسكرات لـتحريك طالبان باكستان وتنظيم داعش داخل الأراضي الأفغانية.
وفي 26 فبراير، أعلنت القوات الأفغانية تنفيذ هجمات انتقامية، مدعية السيطرة على أكثر من اثنتي عشرة نقطة عسكرية باكستانية. المتحدث باسم طالبان، ذبيح الله مجاهد، صرّح بأن 15 موقعاً عسكرياً سقطت بيد القوات الأفغانية، مع سقوط قتلى وأسرى من الجانب الباكستاني — وهي رواية نفتها إسلام آباد بالكامل، ووصفتها بأنها “ادعاءات دعائية”.
جغرافيا النار: الحدود تشتعل
المعارك تدور حالياً في ست ولايات أفغانية حدودية هي:
ننكرهار .. نور ستان .. كنر .. خوست .. باكتيا ..باكتيكا
وتتركز أعنف الاشتباكات قرب خط دوراند، وهو خط حدودي لطالما شكّل بؤرة توتر تاريخية بين البلدين.
كما اتهمت باكستان القوات الأفغانية بفتح نار “غير مبررة” داخل أراضيها في إقليم خيبر بختونخوا، ما يعكس اتساع رقعة المواجهة وتداخلها الجغرافي.
البعد العسكري: تغيير قواعد الاشتباك
استهداف كابل تحديداً يحمل دلالات عسكرية وسياسية خطيرة:
رسالة ردع مباشرة: ضرب العاصمة يعني أن باكستان أرادت توجيه إنذار استراتيجي لا تكتيكي فقط.
رفع سقف الاشتباك: الانتقال من استهداف مناطق حدودية إلى مراكز ثقل سياسي يضاعف احتمالات سوء التقدير.
اختبار الإرادة الدولية: غياب ردود فعل دولية فورية قد يشجع على مزيد من التصعيد.
في المقابل، تدرك كابل أن توسيع الرد قد يفتح عليها جبهة جوية لا تمتلك أدوات تكافؤ كاملة لمواجهتها، خصوصاً في ظل محدودية قدراتها الدفاعية الجوية مقارنة بباكستان.
الوضع الإنساني: الضحايا في مرمى النار
تقارير إعلامية أفغانية تحدثت عن انهيار منزل في بهسود بولاية ننكرهار على 23 فرداً من عائلة واحدة، إضافة إلى تضرر مدرسة دينية في باكتيكا. هذه المعطيات — إن تأكدت — ستزيد الضغط الشعبي داخلياً على القيادة الأفغانية للرد، ما يرفع منسوب المخاطر.
الحسابات الإقليمية: من يتدخل؟
حتى اللحظة لا توجد مؤشرات واضحة على وساطة فاعلة، لكن التجارب السابقة تشير إلى احتمال تدخل صيني أو خليجي لاحتواء الأزمة، خصوصاً مع حساسية الممرات الاقتصادية الإقليمية ومشروعات الربط الطاقوي.
التقدير الأقرب خلال الأسابيع المقبلة هو استمرار الضربات المتبادلة بوتيرة تصاعدية محدودة، يعقبها تدخل دبلوماسي يفرض هدنة هشة. غير أن الفارق هذه المرة يتمثل في أن استهداف العاصمة الأفغانية قد كسر أحد المحرمات غير المعلنة، ما يجعل العودة إلى قواعد الاشتباك السابقة أكثر تعقيداً.
اللواء أركان حرب
وجه أفريقيا رئيس التحرير: سحر رجب