لم تكن كل رسائل القمة المصرية-التركية مكتوبة في البيانات الرسمية، ولا محصورة في كلمات الخطب المغلقة، بل خرجت إحداها في لقطة إنسانية لافتة، التُقطت في كواليس الزيارة التاريخية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مصر، وحملت دلالات أعمق من أي تصريح سياسي.
في حديقة قصر الاتحادية، وعلى هامش الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى، قدّم الرئيس أردوغان هدية ذات دلالة خاصة للرئيس عبد الفتاح السيسي: سيارة كهربائية تركية الصنع من طراز «توغ» (Togg)، تعبيرًا عن التقدم الصناعي التركي، وإشارة واضحة إلى توجه البلدين نحو المستقبل، والتكنولوجيا النظيفة، والتعاون الإنتاجي.
الرئيس السيسي، المعروف باهتمامه العملي بالمشروعات والتقنيات الحديثة، لم يكتفِ بتفقد السيارة، بل بادر بقيادتها بنفسه، في مشهد نادر خرج عن الإطار البروتوكولي المعتاد، ليمنح الصورة بعدًا إنسانيًا ورسالة سياسية هادئة في آن واحد.
المفاجأة الأكبر تمثلت في أن الرئيسين استقلا السيارة معًا، حيث قاد الرئيس السيسي السيارة الكهربائية من قصر الاتحادية إلى فندق الماسة بمدينة نصر، للمشاركة في منتدى الأعمال المصري-التركي، في مشهد عكس مستوى الثقة والتقارب بين قيادتي البلدين.
لم يكن ذلك المشوار مجرد انتقال من موقع إلى آخر، بل رسالة رمزية واضحة: ثقة متبادلة، وأمان سياسي، واستعداد لفتح صفحة جديدة قائمة على الشراكة لا المجاملة. فعندما يقود رئيس دولة سيارة تقل رئيس دولة أخرى، فإن الرسالة تتجاوز الصورة إلى المضمون.
اختيار سيارة كهربائية لم يكن تفصيلاً عابرًا؛ فهو يعكس نظرة مشتركة إلى المستقبل، تقوم على الابتكار، والطاقة النظيفة، والتكامل الصناعي، وهي عناوين رئيسية للمرحلة المقبلة من التعاون المصري-التركي.
وفي كثير من الأحيان، تكون الأحاديث التي تدور بعيدًا عن الكاميرات والميكروفونات، داخل سيارة واحدة، أكثر تأثيرًا من جلسات مطولة، لأنها تُبنى على الصراحة والإنسانية، لا على النصوص المعدّة سلفًا.
هكذا، اختُتم يوم القمة بلقطة بسيطة في شكلها، عميقة في معناها، لتؤكد أن العلاقات بين القاهرة وأنقرة لم تعد محصورة في اتفاقيات موقّعة، بل تسير بثبات على طريق جديد… طريق تشاركي، عنوانه الثقة، ووجهته المستقبل.
كاتبة صحفية مصرية
وجه أفريقيا رئيس التحرير: سحر رجب

