أخبار عاجلة

سحر رجب تكتب : السينما الصينية… من “جبل دينغجون” إلى صدارة شباك التذاكر العالمي

تُعد الصين واحدة من أقدم وأكبر القوى السينمائية في العالم، إذ بدأت علاقتها بالفن السابع عام 1896، بعد أشهر قليلة من ظهوره عالمياً، لتتحول خلال أكثر من قرن إلى صناعة عملاقة تجمع بين الإرث الثقافي العريق والتكنولوجيا الحديثة، وتنافس اليوم على صدارة شباك التذاكر العالمي.

البدايات: من المسرح إلى الشاشة

دخلت السينما إلى الصين في أواخر القرن التاسع عشر، وسرعان ما تبنّى الفنانون المحليون هذا الوافد الجديد. وفي عام 1905، أُنتج أول فيلم صيني بعنوان “جبل دينغجون”، وهو تسجيل لأحد عروض أوبرا بكين، ما عكس الارتباط الوثيق بين السينما الناشئة والفنون التقليدية. شكلت تلك المرحلة حجر الأساس لصناعة أخذت تنمو تدريجياً في المدن الكبرى، خصوصاً شنغهاي.

العصر الذهبي: شنغهاي تتألق

شهدت ثلاثينيات القرن الماضي ما يُعرف بـ”العصر الذهبي” للسينما الصينية، حيث تحولت شنغهاي إلى مركز ثقافي مزدهر، وأنتجت أفلاماً عكست التحولات الاجتماعية والسياسية في البلاد. برزت أعمال واقعية ووطنية ناقشت قضايا الفقر والهوية والصراع الاجتماعي، وأسست لمدرسة فنية مؤثرة في تاريخ السينما الآسيوية.

ما بعد 1949: السينما في خدمة الدولة

بعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، دخلت الصناعة مرحلة جديدة ركزت على الموضوعات الاشتراكية والوثائقية، واستخدمت السينما كأداة للتثقيف والتعبئة المجتمعية. انتشرت دور العرض المتنقلة في الأرياف لنشر الثقافة السينمائية، فيما لعبت الاستوديوهات الحكومية دوراً محورياً في رسم ملامح الإنتاج.

انفتاح وتحول: موجات جديدة ورؤية عالمية

مع انطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح أواخر السبعينيات، برز جيل جديد من المخرجين عُرف بـ”الجيل الخامس”، وقدم أعمالاً حصدت جوائز دولية، مثل فيلم “الذرة الحمراء”، الذي لفت أنظار العالم إلى عمق التجربة الصينية. كما تألق نجوم عالميون مثل جاكي شان، الذي نقل أفلام الكونغ فو والحركة الصينية إلى جمهور عالمي واسع.

وتوالت الأعمال المؤثرة مثل “To Live” و**“In the Mood for Love”**، التي جسدت تنوع الأساليب والرؤى، بين الواقعية التاريخية والدراما الإنسانية والشاعرية البصرية.

صعود عالمي وأرقام قياسية

في العقدين الأخيرين، شهدت السينما الصينية نهضة غير مسبوقة. فقد أصبحت الصين من أكبر أسواق السينما في العالم، مدعومة بإنتاج محلي ضخم وهيمنة واضحة للأفلام الوطنية على شباك التذاكر. وتجاوزت إيرادات شباك التذاكر منذ بداية عام 2026 حاجز 10 مليارات يوان، مع بيع نحو 225 مليون تذكرة، وفق بيانات منصات التتبع المحلية.

وكان لعطلة عيد الربيع دور حاسم في هذا الأداء، إذ سجلت وحدها إيرادات تجاوزت 5.75 مليارات يوان خلال أيام معدودة، ما يعكس ارتباط السينما بالمواسم الثقافية والاجتماعية في البلاد.

كما تشير البيانات إلى تحوّل في تركيبة الجمهور، حيث ارتفعت نسبة المشاهدين دون 25 عاماً، في مؤشر على تجدد القاعدة الجماهيرية. وساهم انخفاض متوسط أسعار التذاكر في تعزيز الإقبال، إلى جانب تنوع المحتوى بين الأفلام التاريخية الضخمة والكوميديا والأعمال العائلية وأفلام الرسوم المتحركة التي حققت نجاحات قياسية.

بين الهوية والتحديث

اليوم، تمثل السينما الصينية مزيجاً متوازناً بين الحفاظ على الهوية الثقافية والانفتاح على التقنيات والأسواق العالمية. فهي تروّج للثقافة المحلية وقيمها، وفي الوقت ذاته تستثمر في الابتكار ونماذج العرض الحديثة لتعزيز تجربة الجمهور.

من تسجيل عرض أوبرا تقليدية عام 1905 إلى صناعة بمليارات الدولارات تنافس عالمياً، تعكس مسيرة السينما الصينية قصة تحول أمة بأكملها، حيث أصبحت الشاشة الكبيرة مرآةً لتاريخها، وصوتاً لطموحاتها، وجسراً يربطها بالعالم.

كاتبة صحفية مصرية

عن وجه افريقيا