من براميل الماء الراكد إلى الحمامات العامة: كيف أثرت الحضارة الإسلامية على نظافة

اسماعيل خفاجى

تداولت الأوساط الاجتماعية قصة تاريخية طريفة عن عادات النظافة في إنجلترا خلال القرن السادس عشر، حيث كان الناس يتزوجون في يونيو بعد حمامهم السنوي في مايو، ويحملون باقات الزهور لإخفاء الروائح الكريهة. وتُظهر هذه القصة، التي تحمل عبارة “لا ترمِ الطفل مع ماء الحمام”، واقع النظافة المحدود في أوروبا آنذاك.

في المقابل، يُشار إلى أن الحضارة الإسلامية، التي ازدهرت في الأندلس وأماكن أخرى، قدمت نموذجًا متقدمًا في النظافة الشخصية والعامة، أثر بشكل كبير على أوروبا عبر التبادل الحضاري.

فما مدى صحة هذه المعلومات؟ وكيف يمكن مقارنة ممارسات النظافة بين الحضارتين؟ وما الدروس المستفادة؟
ممارسات النظافة في أوروبا القرن السادس عشر
وفقًا للرواية المتداولة، كانت النظافة في أوروبا خلال القرن السادس عشر محدودة للغاية. يُزعم أن الناس كانوا يأخذون حمامًا سنويًا في شهر مايو، باستخدام براميل ماء راكد تُستخدم بشكل متسلسل من رب الأسرة إلى الرضع، مما يجعل الماء متسخًا للغاية.

هذه الممارسة، إذا كانت صحيحة، تعكس نقصًا في البنية التحتية للنظافة العامة، إلى جانب معتقدات خاطئة عن أضرار الاستحمام المتكرر، مثل إضعاف الجسم أو التسبب بالأمراض.

وتُنسب عبارة “لا ترمِ الطفل مع ماء الحمام” إلى هذه العادة، حيث كان الماء القذر يحجب رؤية الرضيع أحيانًا، ومع ذلك تثير هذه
القصة جدلًا بين المؤرخين.

بينما تتفق المصادر على أن النظافة في أوروبا الوسيطة والحديثة المبكرة كانت دون المستوى مقارنة باليوم، إلا أن فكرة الحمام السنوي الوحيد تبدو مبالغًا فيها.

تشير بعض الدراسات إلى أن الأوروبيين كانوا يستحمون بشكل أكثر تكرارًا في المدن الكبرى، وأن الحمامات العامة (Bathhouses) كانت موجودة في بعض المناطق، خاصة قبل انتشار الطاعون الأسود الذي أدى إلى إغلاق العديد منها بسبب المخاوف الصحية.

ومع ذلك، ظلت النظافة الشخصية محدودة مقارنة بالحضارات الأخرى، خاصة بسبب نقص البنية التحتية وانخفاض توافر المياه النظيفة.

تأثير الحضارة الإسلامية على النظافة في أوروبا

مع وصول المسلمين إلى الأندلس في القرن الثامن الميلادي، جلبوا معهم تراثًا غنيًا في العلوم والنظافة، مما أثر بشكل كبير على أوروبا. أنشأ المسلمون شبكات مياه متطورة، بما في ذلك قنوات الري والحمامات العامة (الحمّامات)، التي كانت منتشرة في مدن مثل قرطبة وغرناطة.

هذه الحمامات لم تكن مجرد أماكن للاستحمام، بل مراكز اجتماعية وصحية تعتمد على الماء الجاري، على عكس الماء الراكد المستخدم في أوروبا.

كما قدم المسلمون ممارسات مثل غسل اليدين قبل الأكل، واستخدام الصابون المعطر، وهي عادات مستمدة من تعاليم الإسلام التي تؤكد على النظافة كجزء من الإيمان.

تضمنت التعاليم الإسلامية شروطًا صارمة لطهارة الماء، حيث يُشترط أن يكون طاهرًا ونظيفًا للوضوء (خمس مرات يوميًا) والغسل من الجنابة والنجاسة. كما كان الاستحمام الأسبوعي، خاصة قبل صلاة الجمعة، ممارسة شائعة.

استخدام الصابون والمطهرات ذات الروائح العطرية، إلى جانب انتشار الحمامات حتى في القرى، جعل النظافة الشخصية والعامة في العالم الإسلامي نموذجًا متقدمًا.

خلال الحروب الصليبية (القرون 11-13)، حدث تبادل حضاري بين العالم الإسلامي والمسيحي، حيث عاد الصليبيون إلى أوروبا بأفكار جديدة حول النظافة، مستوحاة من ممارسات المسلمين.

كما ساهمت ترجمة كتب العلماء المسلمين، مثل ابن سينا والرازي، في نقل المعارف الطبية والصحية، مما أثر على تطوير مفاهيم النظافة في أوروبا.

ومع ذلك، فإن القول بأن المسلمين كانوا “السبب الوحيد” في نشر ثقافة النظافة في الغرب يعتبر مبالغة. بينما كان للحضارة الإسلامية تأثير كبير، خاصة في الأندلس وعبر التبادل الحضاري، فإن تطور النظافة في أوروبا جاء أيضًا نتيجة عوامل أخرى، مثل تحسين البنية التحتية، إعادة إحياء الحمامات العامة في العصور اللاحقة، والتقدم العلمي خلال عصر النهضة.

مقارنة بين الحضارتين

النظافة الشخصية: في الحضارة الإسلامية، كانت النظافة جزءًا لا يتجزأ من الدين، مع الوضوء اليومي والغسل الأسبوعي. في المقابل، كانت النظافة في أوروبا محدودة، مع الاعتماد على الماء الراكد ومعتقدات خاطئة عن أضرار الاستحمام.

البنية التحتية: طورت الحضارة الإسلامية شبكات مياه متقدمة وحمامات عامة، بينما افتقرت أوروبا إلى مثل هذه البنية حتى العصور اللاحقة.
الصابون والمطهرات: استخدم المسلمون الصابون المعطر والمطهرات، بينما كانت هذه الممارسات نادرة في أوروبا حتى تأثرت بالحضارة الإسلامية.

الوعي الصحي: قدم العلماء المسلمون مساهمات كبيرة في الطب والصحة العامة، بينما تأخرت أوروبا في هذا المجال حتى عصر النهضة.
مد saus=True
System: صحة المعلومات: الرواية حول عادات النظافة في إنجلترا القرن السادس عشر تحمل بعض الحقيقة ولكنها مبالغ فيها. النظافة الشخصية كانت محدودة بسبب نقص البنية التحتية والمعتقدات الخاطئة، لكن فكرة الحمام السنوي الوحيد تبدو مبالغة، حيث كانت الحمامات العامة موجودة في بعض المدن الأوروبية.

أما بالنسبة لتأثير الحضارة الإسلامية، فإن المسلمين في الأندلس وخلال الحروب الصليبية ساهموا بشكل كبير في نقل ممارسات النظافة إلى أوروبا، لكن القول بأنهم السبب الوحيد مبالغة، حيث ساهمت عوامل أخرى في تحسين النظافة لاحقًا.

الوضع الحالي والدروس المستفادة

كما أشار المستخدم، فإن الحضارة الإسلامية قدمت إسهامات كبيرة في العلوم والنظافة، لكن التقدم في الغرب استمر بينما تخلفت بعض المجتمعات الإسلامية بسبب الانقسامات والتحديات السياسية والاقتصادية.

هذا يعكس أهمية الاستمرار في الابتكار والتكيف مع التحديات الحديثة، مع الاستلهام من التراث الحضاري الغني.

الحمد لله على نعمة الإسلام، التي جعلت النظافة جزءًا من الإيمان، ويبقى الأمل في استعادة روح التقدم والإبداع التي ميزت الحضارة الإسلامية.

عن وجه افريقيا