اسماعيل خفاجي
في عالمٍ يعج بالرموز الدينية والشخصيات التي تُحاط بهالة من القداسة، يبرز سؤال ملح: هل كل من يتحدث باسم الدين يستحق التبجيل؟ أم أن بعض هذه الأصوات قد تكون مجرد أدوات في لعبة سياسية أكبر؟ في هذا التقرير، نغوص في أعماق الجدل المثير حول جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده، وهما شخصيتان محوريتان في تاريخ الحركة الإسلامية الحديثة.
نكشف عن وثائق وادعاءات مثيرة للجدل تشير إلى تورطهما مع المخابرات البريطانية.
ونستعرض كيف أسهما في صياغة تحالف إسلامي جمع مصر وتركيا وإيران، بينما تتردد أصداء اتهامات بإلحادهما السري.
هذا التقرير يستند إلى كتاب “لعبة الشيطان” للباحث الاستقصائي الأمريكي روبرت دريفوس، الذي كشف وثائق صادمة عن هذه العلاقات المثيرة للجدل.
الأفغاني وعبده: بين القداسة والشبهات
جمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905) يُعتبران من رواد الإصلاح الإسلامي في العصر الحديث.
الأفغاني، الذي اشتهر بلقب “السيد”، قدم نفسه كمدافع عن الأصولية الإسلامية، داعيًا إلى وحدة الأمة الإسلامية ضد الاستعمار الغربي.
أما عبده، تلميذه المخلص، فقد سعى إلى التوفيق بين الإسلام والحداثة. لكن، وراء هذه الصورة المثالية، تكمن اتهامات خطيرة. وفقًا لكتاب “لعبة الشيطان” لروبرت دريفوس، الذي تُرجم إلى العربية بواسطة أحمد مصطفى حسونة ونشرته دار الثقافة الجديدة، كان الأفغاني وعبده على صلة وثيقة بالمخابرات البريطانية.
الوثائق التي كشفها دريفوس تشير إلى أن الأفغاني كان يتحدث بلغتين: للعامة بلغة الإيمان والجهاد، وللصفوة بلغة الشك والنقد العقلاني، بل وحتى الإلحاد السري.
ثنائية الوجه: إيمان للعامة وشيطان للصفوة
يُزعم أن الأفغاني، الذي كان يرتدي عباءة الدين ويحمل مسبحة التقوى، كان في السر ينتقد الإسلام والعقائد الأخرى، بل ويتبنى أفكارًا إلحادية.
هذه الثنائية جعلته، بحسب منتقديه، أداة مثالية في يد المخابرات البريطانية التي سعت إلى استغلال الحركات الدينية لتعزيز نفوذها في العالم الإسلامي. وفقًا لدریفوس، كان الأفغاني يروج لفكرة تحالف إسلامي يضم مصر وتركيا وإيران (فارس آنذاك) لمواجهة النفوذ الروسي والفرنسي، لكن هذا التحالف كان يخدم في النهاية المصالح البريطانية في إطار سياسة “فرّق تسد”.
محمد عبده، من جهته، اشتهر بمحاولاته لإصلاح التعليم الديني وتأسيس مدرسة فكرية تجمع بين الإسلام والعقلانية. لكن الشبهات طالت دوره أيضًا، حيث يُزعم أنه كان شريكًا للأفغاني في هذا المشروع المشبوه. الوثائق التي استند إليها دريفوس تشير إلى أن الرجلين كانا جزءًا من شبكة أوسع من العلاقات السرية التي ربطت الحركات الإسلامية بالاستعمار البريطاني، مما يثير تساؤلات حول مدى صدق نواياهما.
بداية الحركة الإسلامية: من الأفغاني إلى حسن البنا
لم تكن الحركة الإسلامية الحديثة وليدة الصدفة، بل كانت نتاج سياق سياسي وفكري معقد. الأفغاني وعبده وضعا الأسس الفكرية التي استلهم منها لاحقًا حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين عام 1928.
البنا، الذي تأثر بأفكار الأفغاني حول الوحدة الإسلامية، تبنى نهجًا أكثر تنظيمًا لتطبيق هذه الأفكار، لكن جذور هذا الفكر تعود إلى تلك الفترة المبكرة التي شهدت تدخلات خارجية في صياغة الحركات الدينية.
بحسب دريفوس، فإن دعم بريطانيا للإخوان المسلمين في مصر، خاصة خلال فترة الخمسينيات والستينيات، كان امتدادًا لاستراتيجية بدأت مع الأفغاني، بهدف زعزعة استقرار الأنظمة القومية مثل نظام جمال عبد الناصر.
القداسة الممنوحة: هل اللحية كفيلة بالثقة؟
في خضم هذا الجدل، يبرز سؤال جوهري: هل يمكن أن تكون اللحية والمسبحة و”العطسة بجرعة نشوق” كافية لمنح شخص ما هالة القداسة؟ التاريخ يحذرنا من السير وراء الرموز الخارجية دون تمحيص.
الإفراط في تقديس المتحدثين باسم الدين، دون التحقق من نواياهم وخلفياتهم، قد يقود إلى استغلال خطير.
الأفغاني وعبده، بغض النظر عن حقيقة الاتهامات ضدهما، يمثلان نموذجًا للشخصيات التي استطاعت استغلال الخطاب الديني لتحقيق أهداف سياسية، سواء كانت شخصية أو موجهة من قوى خارجية.
وختاما إن قصة الأفغاني وعبده، كما كشفها روبرت دريفوس في “لعبة الشيطان”، تفتح الباب أمام نقاش عميق حول العلاقة بين الدين والسياسة.
هل كانا جاسوسين يرتديان عباءة الدين؟ أم أن اتهامات الإلحاد والعمالة للمخابرات البريطانية هي مجرد محاولات لتشويه إرثهما؟ مهما كانت الحقيقة، فإن هذه القصة تذكرنا بضرورة التحلي بالروح النقدية تجاه كل من يدّعي تمثيل الدين. فالقداسة ليست في اللحية أو المسبحة، بل في صدق النية ونقاء العمل.
اليوم، وبينما تستمر الحركات الإسلامية في التأثير على المشهد السياسي، يبقى درس الأفغاني وعبده حيًا: لا تأخذوا كل ما يُقال على أنه مسلّمات، فالتاريخ قد يخفي وراءه أسرارًا لعبة الشيطان.