شينخوا – سحر رجب
في ساعات الصباح الأولى، يبدأ حسن الراعي، يومه بين ركام المنازل المدمرة في حي الشيخ رضوان شمال قطاع غزة، باحثا عن أحجار وطوب يمكن إعادة استخدامها وبيعها، في ظل أوضاع اقتصادية وإنسانية صعبة خلفتها الحرب الإسرائيلية الأخيرة.
ويحمل الراعي البالغ من العمر (40 عاما) شاكوشا ومطرقة صغيرة، ويرافقه ابنه وليد (13 عاما)، إذ يعملان على إزالة أجزاء الخرسانة المحيطة بالأحجار السليمة واستخراجها بحذر لتفادي تضررها أو تعرضهما لخطر انهيار الأنقاض.
في المكان، تختلط رائحة الغبار بالإسمنت المتناثر، وتبدو المباني المتصدعة شاهدة على حجم الدمار. فيما يتحرك الراعي بحذر فوق أكوام غير مستقرة من الخرسانة، متفحصا الأحجار التي ما زالت صالحة للاستخدام ومن ثم يزيل بقايا الإسمنت عنها بضربات دقيقة، محاولا الحفاظ عليها سليمة لتكون قابلة للبيع، في عمل يتطلب صبرا وخبرة ميدانية اكتسبها مع مرور الوقت.
ويقول الراعي لوكالة أنباء ((شينخوا)) إن فكرة العمل في استخراج الطوب من تحت الأنقاض لم تكن مخططا لها مسبقا “بل جاءت نتيجة الحاجة”.
ويضيف “بعد تضرر منزلي ولجوئي إلى خيمة، حاولت إصلاح بعض الجوانب البسيطة في منزلي باستخدام أحجار وجدتها قريبة من منزلي المدمر … لاحظت أن كثيرا من الطوب ما زال بحالة جيدة، فبدأت أجمعه لاستخدامي الشخصي، ثم اقترح عليّ أحد الجيران بيعه لمن يحتاجه، خصوصا مع نقص مواد البناء في الأسواق”.
قبل الحرب، كان الراعي يمتلك متجرا صغيرا يوفر له دخلا مستقرا نسبيا. إلا أن الحرب، التي شنها الجيش الإسرائيلي في السابع من أكتوبر 2023 أدت إلى تدمير متجره ومنزله، ما دفعه إلى البحث عن أي وسيلة لتأمين احتياجات أسرته.
ويقول الراعي “فقدت مصدر رزقي وكل ما أملك تقريبا. لم يعد أمامي سوى العمل بما هو متاح”.
ولا يبدو العمل في مواقع الدمار مهمة سهلة أو آمنة، إذ تتراكم كتل خرسانية متصدعة فوق بعضها بعضا، وتبقى جدران مائلة وأعمدة متآكلة مهددة بالانهيار في أي لحظة.
ويتطلب التنقل بين الأنقاض حذرا شديدا وخطوات محسوبة لأن أي حركة غير مدروسة أو ضغط إضافي قد يتسبب بانزلاق الركام أو سقوط أجزاء متبقية من المباني، في ظل غياب معدات السلامة والحماية الكافية، حسب الراعي.
ويشرح “نحاول أن نكون حذرين، لكن الخطر موجود دائما. رغم ذلك، لا يمكنني التوقف، لأن أسرتي تعتمد على هذا الدخل”.
ويبيع الراعي الحجر الواحد بنحو ثلاثة دولارات أمريكية، مشيرا إلى أن أسعار مواد البناء شهدت ارتفاعا ملحوظا مقارنة بفترة ما قبل الحرب، حين كان بالإمكان شراء عشرة أحجار بالمبلغ ذاته، في ظل توفر المواد آنذاك بكلفة أقل واستقرار نسبي في الأسواق.
ويعزو هذا الارتفاع إلى النقص الحاد في المعروض في ظل القيود المفروضة على إدخال مستلزمات إعادة الإعمار.
ويأتي ذلك في سياق حصار مشدد تفرضه إسرائيل على قطاع غزة، حيث تخضع حركة البضائع والأفراد لقيود مستمرة.
وعلى الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ العاشر من أكتوبر 2025، فإن سكان غزة يقولون إن الأوضاع المعيشية لا تزال صعبة، في ظل تشديد إسرائيل من حصارها على قطاع غزة ومنع دخول أي من مواد البناء.
كما أعلنت إسرائيل في مناسبات عديدة أنها لن تسمح بعملية إعادة إعمار واسعة في القطاع ما لم يتم نزع سلاح حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وهو ما يربطه مراقبون باستمرار حالة الجمود في ملف الإعمار.
هذا الوضع دفع بعض السكان مثل الراعي للاعتماد على حلول فردية ومؤقتة. فالأحجار المستخرجة من تحت الأنقاض تمثل بديلا لترميم المنازل المتضررة جزئيا، في انتظار ترتيبات سياسية وأمنية أوسع تسمح بإطلاق مشاريع إعادة الإعمار.
بعد ساعات من العمل، يجمع الراعي عشرات الأحجار وينقلها إلى مساحة قريبة من خيمته حيث يقيم مع أسرته. وهناك يبدأ بتنظيفها من النتوءات الإسمنتية وتنعيمها باستخدام أدوات بسيطة قبل ترتيبها وعرضها للبيع.
وتستغرق هذه العملية ساعات طويلة، لكنها تزيد من قيمة الأحجار وتجعلها أكثر ملاءمة للاستخدام.
ويقول الراعي إن دخله اليومي قد يصل إلى نحو 50 دولارا في أفضل الأيام، وهو مبلغ يساعده جزئيًا في تغطية احتياجات أسرته الأساسية من طعام وشراب وغاز طهي.
ويشير إلى أن الدخل يختلف من يوم لآخر بحسب كمية الأحجار التي يمكنه استخراجها وحجم الطلب من السكان، مؤكداً أن الهدف ليس الربح بل توفير حد أدنى من العيش الكريم في ظل الظروف الصعبة.
ويشهد المكان توافد عدد من السكان الباحثين عن مواد منخفضة التكلفة لإصلاح بيوتهم. ومن بينهم محمد الأستاذ (57 عامًا)، الذي تعرض منزله لأضرار جزئية جراء القصف.
ويقول “نريد العودة إلى بيوتنا حتى لو كانت بحاجة إلى إصلاح. العيش في خيمة لفترة طويلة أمر صعب، خاصة لكبار السن والأطفال. شراء الطوب المستخرج من الأنقاض خيار أقل كلفة من انتظار مواد جديدة قد تحتاج سنوات قبل دخولها إلى غزة.”
وفي حي الدرج شرق مدينة غزة، يعمل صهيب نبهان وشقيقه رائد، على جمع الأحجار الصغيرة وطحنها لاستخدامها بديلاً عن الإسمنت في أعمال الترميم البسيطة.
وداخل خيمة متواضعة، يضع الشقيقان الأحجار في طبق حديدي كبير ثم يبدآن بتكسيرها باستخدام قطعة حديد حتى تتحول إلى مسحوق ناعم نسبيًا في عملية تستغرق ساعات يوميًا وتتطلب جهدًا بدنيًا كبيرًا.
ويقول صهيب، الذي كان يعمل محاسبا قبل الحرب لـ((شينخوا)) “فقدت عملي ومنزلي، ومع تراجع فرص العمل كان علينا البحث عن أي مصدر دخل”.
ويضيف شقيقه رائد “العمل مرهق، لكنه يوفر حلًا مؤقتًا في ظل غياب بدائل أخرى، حيث يمكن للسكان استخدامه لتثبيت الطوب أثناء عمليات الترميم”.
ووفقا للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فقد دمرت الحرب الأخيرة نحو 90 بالمائة من البنية العمرانية في القطاع، فيما تشير تقديرات له أن نحو 70 مليون طن من الركام تغطي مساحات واسعة من غزة، وأن إزالة هذا الكم الهائل قد تستغرق سنوات في ظل الإمكانات الحالية.
وفي ظل غياب أفق واضح لإعادة إعمار شاملة، يواصل حسن الراعي، وصهيب نبهان وغيرهما العمل بين الأنقاض، محاولين تحويل الركام إلى مورد يخفف من أعباء الحياة اليومية، بانتظار مرحلة قد تسمح بإعادة بناء ما دمرته الحرب وإعادة الاستقرار إلى سكان القطاع.
وجه أفريقيا رئيس التحرير: سحر رجب
