سوق العقارات في الإمارات يجذب المزيد من المستثمرين

مارتن ليندر*

ترجمة – وجدي عبد العزيز

لسنوات، اعتبر العديد من المستثمرين المؤسسيين الأجانب سوق العقارات في الإمارات العربية المتحدة سوقًا مضاربة وغير مستدامة، معتبرين إياه مجرد ساحة للمشاريع الفاخرة التي تلبي احتياجات أصحاب الثروات الفاحشة، بدلًا من كونه فئة أصول قيّمة تستحق إدراجها في محافظهم. لكن هذا الاعتقاد لم يعد صحيحًا.

كان من الرائع رؤية ارتفاع مستويات الفائدة من صناديق الثروة السيادية الأوروبية والأسترالية، على الرغم من أنها لم توظف رأس المال بعد. وهناك أيضًا أدلة على أن شركات الأسهم الخاصة وغيرها من صناديق العقارات المهيكلة تتبع استراتيجيات طويلة الأجل لتخصيص رأس المال.

لننظر إلى السياق العالمي. يبحث المستثمرون المؤسسيون الذين يبحثون عن فرص عقارية عن نسب عائد جيدة للمخاطر. وهذا يعني أسواقًا مستقرة اقتصاديًا وسياسيًا، تتمتع بحوكمة وعمليات موثوقة، وتُظهر آفاق نمو جيدة.

إذا نظرنا إلى مصفوفة نسبة العائد إلى المخاطر في الولايات المتحدة كمثال، فمن السهل نسبيًا تحديد المخاطر وتقدير الهيكل المالي المتين الذي يحيط بعروضها. لتحقيق ذلك، يجب أن تكون مدير أصول بارعًا في مناطق أخرى من العالم، حيث تختلف الأوضاع المالية. على سبيل المثال، بدلًا من قرض بفائدة فقط لمدة 20 عامًا كما هو سائد في أمريكا، لدينا أسعار فائدة متغيرة على القروض في الإمارات العربية المتحدة، مما يُحدث فرقًا كبيرًا.

وبالطبع، لا تخلو فرص الاستثمار العقاري للمؤسسات من التحديات. فهناك مخاطر اقتصادية كلية من أعلى إلى أسفل، متمثلة في مشهد عالمي متزايد “التصدع”، وفقًا لأحدث تقرير للمخاطر العالمية صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي. وتشمل هذه المخاطر تصاعد التوترات الجيوسياسية والاقتصادية، وتغير المناخ، والاستقطاب المجتمعي، وعدم المساواة، مما قد يُهدد الاستقرار والتنمية.

أما المخاطر من أسفل إلى أعلى فهي أكثر تعقيدًا. على سبيل المثال، يصعب الحصول على تراخيص البناء في الأسواق القديمة، مما قد يؤدي إلى إطالة أطر زمنية للمشاريع. من ناحية أخرى، قد يؤدي ندرة المساحات في هذه الأسواق إلى ارتفاع الأسعار بسبب ارتفاع الطلب. في الوقت نفسه، في الأسواق الناشئة، لا تنتشر مشاريع التطوير “الفاخرة” الحقيقية ذات جودة البناء الاستثنائية كما هو متوقع.

هناك مسألة أخرى تتعلق بالتقلبات، وهي أعلى عمومًا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فمقارنةً بأوروبا وأمريكا الشمالية، حيث يعتمد جزء كبير من التطوير العقاري على الاستبدال، قد يتذبذب الطلب على الاستثمار العقاري في منطقة الخليج وفقًا للعوامل الاقتصادية والجيوسياسية في بقية المنطقة، وأوروبا الشرقية، وشبه القارة الهندية، وآسيا والمحيط الهادئ. ومن التحديات الأخرى التي تواجه المستثمرين في الإمارات العربية المتحدة ارتفاع تكاليف البناء بسبب نقص العمالة الماهرة والمواد الخام، مثل الخرسانة والتشطيبات عالية الجودة، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الفائدة.

لكن المستثمرين المؤسسيين في سوق العقارات الإماراتي يمكنهم تعويض هذا الفارق وفروقات التمويل من خلال تحقيق عوائد أعلى من العروض، مع التزامهم بالانضباط الشديد كمديري أصول وصناديق. وهذا يساعدهم على محاكاة أو تجاوز نموذج المخاطرة والعائد في أجزاء أخرى من العالم. على سبيل المثال، يمكن لبعض صناديق العقارات الفاخرة تحقيق زيادة في القيمة بمقدار خمسة أضعاف خلال السنوات الثلاث من الإغلاق النهائي وحتى التوزيع.

ومع ذلك، فإن الأهم بالنسبة للمستثمرين المؤسسيين هو وجود سيادة قانونية موثوقة، كما يضمنها مركز دبي المالي العالمي وسوق أبوظبي العالمي، وكلاهما يتمتع بسجل حافل بالإنجازات. وتُطرح مسألة الحوكمة في كل نقاش نجريه مع المستثمرين المؤسسيين، الذين يتفاعلون بإيجابية عند دراسة عمليات سلطة دبي للخدمات المالية وتطبيقها التنظيمي. كما يتمتع مشتري العقارات على الخارطة بضمانات أكبر من ذي قبل، حيث تخضع دائرة الأراضي والمساحة لتنظيم جيد، ويمر رأس مالهم الاستثماري عبر حساب ضمان.

ومن عوامل الجذب الأخرى للمستثمرين المؤسسيين توفر خيارات خروج أكثر من ذي قبل. فنحن نشهد طلبًا على محافظ العقارات من السندات المحلية وشركات التطوير العقاري، على سبيل المثال.

يدعم الطلب الحالي تحوّل اهتمام المستثمرين المؤسسيين نحو الإمارات العربية المتحدة. كان سوق العقارات السكنية في الإمارات العربية المتحدة في طريقه إلى تحقيق قيمة مذهلة تبلغ 390 مليار دولار أمريكي في عام 2024، مع توقع ارتفاع متوسط ​​أسعار الشقق بنسبة 19% والفلل بنسبة 23% مقارنةً بالعام السابق. كما ارتفعت أحجام المعاملات الثانوية، وقيم العقارات، ومبيعات العقارات على الخارطة. ومن المتوقع المزيد من التطوير في عام 2025، على الرغم من أن السوق قد لا ينمو بنفس القدر المذهل حيث يعمل المقاولون على تلبية طلب العام الماضي.

أرى بعض الاتجاهات الأساسية التي تدعم هذا التوسع. أولاً، النفوذ الاقتصادي والسياسي المتنامي للدولة على الساحة العالمية. تشير العضوية الأخيرة في مجموعة بريكس+، التي تمثل حوالي 45% من سكان العالم و35% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، إلى تنامي نفوذ الإمارات في إعادة تشكيل التحالفات الاقتصادية العالمية. يُعد هذا تحوّطًا استراتيجيًا وخطوة نحو تعزيز التجارة والاستثمار والتعاون عبر الأسواق الناشئة سريعة النمو. يُكمّل هذا تركيز الدولة على النمو الاقتصادي القائم على المعرفة، إلى جانب تنويع اقتصادها بعيدًا عن النفط والغاز، وتعزيز مصداقيتها التكنولوجية من خلال كيانات محلية.

ثانيًا، نضج سوق العقارات في الإمارات العربية المتحدة ليصبح فئة أصول متطورة ذات مستوى مؤسسي، تتميز بمشاريع متعددة الاستخدامات ومراكز لوجستية ذات جودة منتجات تتحسن باستمرار. ويركز اللاعبون المؤسسيون، الذين يتطلعون إلى ما هو أبعد من المكاسب قصيرة الأجل، على أصول مستقرة ومستدامة تُدرّ عوائد عالية. وتتميز هذه الأصول بالاستدامة لسببين: الأول هو أن المصداقية البيئية تجذب المستثمرين الذين يدركون أنها جيدة لقيمة إعادة البيع على المدى الطويل، والثاني هو التصميم الممتاز وجودة البناء التي تعني أن الأصل سيتمتع بعمر طويل.

ثالثًا، مع الركود الاقتصادي وتزايد المخاطر السياسية في بقية العالم، تُوفر الإمارات العربية المتحدة مزيجًا نادرًا من الاستقرار والديناميكية. ففي العديد من الأسواق الغربية، أدى التضخم وانخفاض النمو وتشديد السياسة النقدية إلى تآكل العوائد، بينما تحافظ الإمارات على اقتصاد قوي ومستقر مع ضرائب معتدلة. إنها وجهة جذابة للأثرياء ورواد الأعمال والمهنيين الطموحين. تُقدّم دولة الإمارات العربية المتحدة قيمةً طويلة الأجل للمستثمرين المؤسسيين، وهي قيمةٌ لا تُضاهى في أي مكانٍ آخر في العالم اليوم، وتُمثّل نموذجًا يُحتذى به في الأسواق الناشئة في المستقبل.

*مارتن ليندر هو الشريك الإداري والرئيس التنفيذي لشركة جلوبال بارتنرز المحدودة، وهي شركةٌ لإدارة الاستثمارات البديلة مُرخّصةٌ من قِبَل سلطة دبي للخدمات المالية.

نشر بالانجليزية في موقع The National

عن وجه افريقيا