في خضم التحولات السياسية المتسارعة التي يشهدها جنوب اليمن، تتجدد حقيقة تاريخية لا تقبل الجدل: قضايا الشعوب لا تموت، مهما اشتدت الضغوط، وتعاظمت التهديدات، أو حاولت القوى الإقليمية فرض وقائع مغايرة لإرادة الناس على الأرض.
لقد أثبتت تجارب التاريخ، من آسيا إلى إفريقيا وأمريكا اللاتينية، أن الشعوب التي تمتلك وعيًا بهويتها وحقوقها، قادرة على الصمود طويلًا في وجه التحديات، بل وتحويل الأزمات إلى لحظات مفصلية تعيد تشكيل مستقبلها. وما يحدث اليوم في الجنوب اليمني ليس بمعزل عن هذا السياق الإنساني العام.
تشير المعطيات الميدانية إلى تصاعد ملحوظ في حالة الاحتقان الشعبي، مدفوعة بتباين واضح بين ما يُفرض من ترتيبات سياسية وعسكرية، وبين المزاج الشعبي الذي بات أكثر وضوحًا في التعبير عن تطلعاته.
هذا التباين يعكس خللًا جوهريًا في مقاربة إدارة المشهد، حيث لا يمكن لأي استقرار أن يتحقق دون توافق حقيقي مع إرادة المجتمع المحلي.
وفي هذا السياق، يبرز اسم عيدروس الزبيدي كأحد أبرز الفاعلين السياسيين الذين يحظون بقبول شعبي واسع في الجنوب، وفق ما تشير إليه العديد من المؤشرات الميدانية. ويُنظر إلى تجربة انتشار قوات المجلس الانتقالي في بعض المناطق، مثل حضرموت، على أنها نموذج نسبي للاستقرار، وهو ما يعزز من حضور هذا الخيار في الوعي الجمعي.
غير أن القضية لا تتوقف عند شخص أو كيان بعينه، بل تتجاوز ذلك إلى مفهوم أعمق يتعلق بحق الشعوب في تقرير مصيرها واختيار من يمثلها. فالتاريخ يعلّمنا أن محاولات تجاوز هذه الحقيقة غالبًا ما تؤدي إلى نتائج عكسية، حيث تتراكم عوامل الغضب حتى تصل إلى نقطة الانفجار، التي يصعب بعدها احتواء الموقف.
من جهة أخرى، تلعب الدول الإقليمية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، دورًا محوريًا في صياغة المشهد السياسي. إلا أن نجاح هذا الدور يظل مرهونًا بمدى قدرته على التفاعل مع الواقع الشعبي، وليس فقط مع المعادلات العسكرية أو التوازنات السياسية الضيقة.
إن الرهان على فرض حلول لا تنبع من الداخل، قد يحقق هدوءًا مؤقتًا، لكنه لا يؤسس لاستقرار دائم. فالقوة الحقيقية لأي تسوية تكمن في مشروعيتها الشعبية، وقدرتها على تمثيل تطلعات الناس، لا في قدرتها على فرض الأمر الواقع.
وفي لحظة مفصلية كهذه، يقف الجنوب اليمني أمام خيارين: إما الاستمرار في تجاهل المؤشرات المتصاعدة، بما قد يقود إلى موجة اضطرابات أوسع، أو الانخراط في مقاربة جديدة تعترف بأن صوت الشارع ليس مجرد تفصيل، بل هو العامل الحاسم في رسم المستقبل.
ختامًا، تبقى الحقيقة الأبرز أن قضايا الشعوب، مهما طال الزمن، لا تذبل ولا تختفي. قد تتعرض للتأجيل، أو تواجه ضغوطًا هائلة، لكنها تظل حية في وجدان الناس، تنتظر اللحظة التي تجد فيها طريقها إلى الواقع.
وجه أفريقيا رئيس التحرير: سحر رجب