سحر رجب
في حادثة أمنية أثارت موجة واسعة من التساؤلات داخل العراق وخارجه، شهدت الصحراء الواقعة بين محافظتي النجف وكربلاء عملية إنزال جوي نفذتها قوة أجنبية مجهولة، في واقعة تداخلت فيها الوقائع الميدانية مع حرب معلومات شرسة على منصات التواصل الاجتماعي.
وبينما تتواصل التحقيقات العراقية لكشف ملابسات ما جرى، قدّم الخبير العسكري والاستراتيجي العميد سمير راغب قراءة تحليلية لما حدث، محذّراً من خطورة تزامن العمليات العسكرية الغامضة مع حملات تضليل إعلامي واسعة.
شاهد عيان في قلب الصحراء
تعود تفاصيل الحادثة إلى فجر الأربعاء، عندما لاحظ أحد رعاة الأغنام في صحراء النخيب حركة غير معتادة لطائرات مروحية تحلّق على ارتفاع منخفض، إلى جانب وجود عناصر مسلحة بعتاد عسكري متطور.
وفي البداية ظن الراعي أنهم من القوات العراقية، إلا أن طبيعة التجهيزات وطريقة الانتشار دفعته للاشتباه، فانسحب سريعاً وأبلغ الاستخبارات العسكرية العراقية.
لم تمضِ سوى فترة قصيرة حتى تحركت قوة من قيادة عمليات كربلاء للتحقق من الموقع، لكن القوة تعرّضت لإطلاق نار كثيف من الجو، ما أدى إلى مقتل جندي وإصابة اثنين آخرين.
قراءة عسكرية للعملية
يرى الخبير العسكري العميد سمير راغب أن طبيعة العملية تشير إلى أنها ليست تحركاً عشوائياً، بل عملية استخباراتية عالية التنظيم.
ويقول راغب إن “الإنزال الجوي باستخدام عدة مروحيات مع دعم بعجلات عسكرية يشير إلى مهمة محددة بدقة، غالباً ما تكون إما لانتشال هدف استخباراتي، أو زرع معدات مراقبة واستطلاع في منطقة حساسة”.
ويضيف أن الصحراء الواقعة بين النجف وكربلاء والنخيب تُعد منطقة استراتيجية لعدة أسباب، أبرزها قربها من طرق إمداد برية ومساحات مفتوحة تسمح بعمليات سرية بعيدة عن المراقبة المكثفة.
بحسب راغب، فإن إطلاق النار على القوات العراقية التي وصلت للتحقق قد يشير إلى أن القوة المنفذة كانت تعمل ضمن قاعدة “السرية المطلقة”.
وأوضح أن “القوات الخاصة في مثل هذه العمليات تتعامل مع أي اقتراب غير متوقع باعتباره تهديداً مباشراً، لذلك قد تلجأ فوراً إلى استخدام القوة لتأمين منطقة العملية”.
هوية القوة المنفذة
حتى الآن لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن العملية، لكن مصادر عراقية رجّحت احتمال تورط قوة مشتركة ذات طابع استخباراتي.
وفي هذا السياق يقول العميد راغب إن “العمليات الجوية العميقة بهذا الشكل عادة ما تنفذها قوات تمتلك تفوقاً تقنياً كبيراً في الطيران الليلي والاستطلاع، وهو ما يحدّ دائرة الاحتمالات إلى عدد محدود من الجيوش”.
لكنه شدد على أن الجزم بالجهة المنفذة يحتاج إلى أدلة ميدانية واضحة، مثل بقايا معدات أو تسجيلات رادارية.
حرب المعلومات.. المعركة الثانية
بالتوازي مع الحادثة، اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بسيل من الصور والروايات المتناقضة، بينها صور مفبركة تزعم أسر عناصر من قوات أميركية خلال العملية.
ويرى العميد سمير راغب أن هذه الظاهرة باتت جزءاً من طبيعة الصراعات الحديثة.
ويقول : “اليوم لم تعد المعركة تقتصر على الأرض فقط، بل هناك معركة موازية تدور على الفضاء الرقمي، هدفها تشكيل الرواية الأولى في أذهان الجمهور”.
وأضاف أن “تضخيم روايات غير مؤكدة أو نشر صور مفبركة هو أسلوب كلاسيكي في الحروب النفسية، ويهدف إلى إرباك المتابعين وصرف الانتباه عن الأسئلة الأساسية المتعلقة بما حدث فعلاً”.
صحراء مفتوحة.. ورسائل متعددة
يشير خبراء إلى أن الصحراء الغربية للعراق لطالما شكّلت مسرحاً لعمليات استخباراتية معقدة بسبب اتساعها وقربها من حدود عدة دول.
ويرى العميد راغب أن الرسائل المحتملة من مثل هذه العمليات قد تكون متعددة، قائلاً إن “بعض العمليات لا يكون هدفها الميداني فقط، بل توجيه رسائل استراتيجية تتعلق بإظهار القدرة على الوصول إلى مناطق حساسة في أي وقت”.
معركة الرواية
في النهاية، تبدو حادثة صحراء النجف مثالاً واضحاً على تداخل العمليات العسكرية مع حروب المعلومات.
فبينما تستمر بغداد في التحقيق لكشف هوية القوة التي نفذت الإنزال، تبقى معركة الرواية مفتوحة على منصات التواصل، حيث تتنافس الحقائق والشائعات على تشكيل الصورة في أذهان المتابعين.
ويختتم العميد سمير راغب تحليله بالقول:
“في الحروب الحديثة قد تكون السيطرة على الرواية أحياناً أكثر تأثيراً من السيطرة على الأرض، لأن الرواية هي التي تصنع الوعي وتحدد اتجاه الرأي العام”.
وجه أفريقيا رئيس التحرير: سحر رجب